الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

516

نفحات الولاية

والذي كان يمثل في الواقع مقدمة ، خاض في هذا القسم في ذي المقدمة والذي تمثّل في الدرجة الأُولى في الوصية بالتقوى وقرنها ببعض صفات اللَّه ليؤجج في قلوبهم نيران عشق التقوى والورع فقال : « أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُوْصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ ، وإِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ ، وبِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ ، وإِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ ، ونَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ ، وإِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ « 1 » » . كما قال القرآن الكريم : « وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ » « 2 » . وقال أيضاً : « ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ » « 3 » . ثم خاض عليه السلام إثر الوصية بالتقوى إلى ذكر آثارها بثمان عبارات قصيرة وعميقة المعنى فقال : « فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ ، وبَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ ، وشِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ ، وصَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ ، وطُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ ، وجَلَاءُ عَشَا « 4 » أَبْصَارِكُمْ ، وأَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ « 5 » ، وضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ » . العبارة الأُولى إشارة إلى الأمراض الفكرية والروحية في الغواية والضلال ، والعبارة الثانية إشارة إلى إزالة الموانع وحجب المعرفة في ظلّ التّقوى ، وتشير العبارة الثانية إلى قلّة الطعام ورعاية الاعتدال في تناول الأغذية في ظلّ التّقوى ؛ ذلك لأننا نعلم وكما ورد في الحديث النبوي الشريف : « الْمِعْدَةُ رَأْسُ كُلِّ داء والْحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَواء » « 6 » . والذي أيده الأطباء المعاصرون قاطبة أنّ قسماً مهماً من الأمراض معلول لكثرة

--> ( 1 ) . « مفزع » من مادة « فزع » بمعنى الخوف وتعني مفردة ( مفزع ) الملجأ ، لأنّ الإنسان يلجأ إليها في خوفه . ( 2 ) . سورة يونس ، الآية 107 . ( 3 ) . سورة النحل ، الآية 53 . ( 4 ) . « عشا » من « عشو » على وزن « نشر » بمعنى ضعف العين أو البحث عن شيء بعين ضعيفة و « عشا » اسم مصدرتعني ضعف البصر . ( 5 ) . « جأش » بمعنى ما يضطرب في القلب عند الفزع ومن حيث إنّ القلب ( الروح ) هومركز هذه الأمور فيقال أحياناً جأش للقلب أيضاً ويمكن للاثنان أن يكونا المعنى المراد . ( 6 ) . بحارالأنوار ، ج 59 ، ص 291 .